ابو القاسم عبد الكريم القشيري
375
الرسالة القشيرية
وتنخم في المسجد ، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه ، وقال : هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب الشريعة ، فكيف يكون أمينا على أسرار الحق ؟ . واختلفوا في أن الولي : هل يجوز أن يعلم أنه ولى ، أم لا ؟ فمنهم من قال : لا يجوز ذلك ؛ وقال : إن الولي يلاحظ نفسه بعين التصغير ، وإن ظهر عليه شئ من الكرمات خاف أن يكون مكرا ، وهو يستشعر الخوف دائما أبدا ؛ لخوف سقوطه عما هو فيه ، وأن تكون عاقبته بخلاف حاله ، وهؤلاء يجعلون من شرط الولاية : وفاء المآل . وقد ورد في هذا الباب حكايات كثيرة عن الشيوخ ، وإليه ذهب من شيوخ هذه الطائفة جماعة لا يحصون ، ولو اشتغلنا بذكر ما قالوا لخرجنا عن حد الاختصار ، وإلى هذا كان يذهب من شيوخنا الذين لقيناهم الإمام أبو بكر بن فورك ، رحمه اللّه . ومنهم من قال : يجوز أن يعلم الولي أنه ولى ، وليس من شرط تحقيق الولاية في الحال الوفاء في المآل . تم إن كان ذلك من « 1 » شرطه أيضا فيجوز أن يكون هذا الولي خص بكرامة هي : تعريف الحق إياه أنه مأمون العاقبة ؛ إذ القول بجواز كرامات الأولياء واجب ، وهو وإن قارفه « 2 » خوف العاقبة ، فما هو عليه من الهيبة والتعظيم والإجلال في الحال أتم وأشد ؛ فان اليسير من التعظيم والهيبة أهد للقلوب من كثير من الخوف . ولما قال صلى اللّه عليه وسلم : « عشرة في الجنة من أصحابي » . فالعشرة - لا محالة - صدقوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعرفوا سلامة عاقبتهم ، تم لم يقدح ذلك في حالهم . ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة : الوقوف على حد المعجزة ، ويدخل في جملته العلم بحقيقة الكرامات ، فإذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن لا يميز بينها وبين غيرها ، فإذا رأى شيئا من ذلك علم أنه في الحال على الحق . ثم يجوز أن يعرف أنه في المال يبقى على هذه الحالة ، ويكون هذا التعريف كرامة له . والقول بكرامات الأولياء صحيح .
--> ( 1 ) أي الوفاء في المآل . ( 2 ) أي خالطه .